ابن عجيبة

223

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وقوله : إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ أي : ألا يفزع ، وهو من ثبّت اللّه قلبه ، فإن قلنا : المراد بها النفخة الثانية ، فالمستثنى : هم من سبقت لهم الحسنى ، بدليل قوله : لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ « 1 » وإن قلنا : هي نفخة الصعق ، فالمستثنى : قيل : هم جبريل ، وميكائيل ، وإسرافيل ، وعزرائيل ، لكن يموتون بعد صعق الخلق . وقيل : الحور وحملة العرش ، وإن قلنا : المراد نفخة الفزع في الدنيا ، فالمستثنى : أرواح الأنبياء والأولياء والشهداء والملائكة . ثم قال تعالى : وَكُلٌّ أَتَوْهُ « 2 » بصيغة الماضي ، أي : وكل واحد من المبعوثين عند النفخة حضروه في موقف الحساب ، بين يدي اللّه جل جلاله ، والسؤال والجواب . أو : وكل حاضروه ، على قراءة اسم الفاعل ، وأصله : آتيوه ، حال كونهم داخِرِينَ : صاغرين أذلاء . وَتَرَى الْجِبالَ حال الدنيا تَحْسَبُها جامِدَةً ؛ واقفة ممسّكّة عن الحركة ، من : جمد في مكانه : إذا لم يبرح . وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ أي : مرا مثل مر السحاب ، التي تسيرها الرياح ، سيرا حثيثا ، والمعنى : أنك إذا رأيت الجبال وقت النفخة ظننتها ثابتة في مكان واحد ؛ لعظمها ، وهي تسير سيرا سريعا ، كالسحاب إذا ضربته الرياح ، وهكذا الأجرام العظام ، إذا تحركت لا تكاد تتبين حركتها . ومثال ذلك : الشمس ؛ لعظم جرمها وبعدها لا تتبين حركتها ، مع كونها أسرع من الريح . والذي في حديث أبي هريرة : أنّ تسيير الجبال يكون بعد نفخة الفزع وقبل الصعق . ونص الحديث - بعد كلام تقدم : « فيأمر إسرافيل بالنفخة الأولى ، فيقول : انفخ نفخة الفزع ، فيفزع أهل السماوات والأرض ، إلا من شاء اللّه ، فيأمره فيمدها - أي : النفخة - ويطيلها ، فيسير اللّه الجبال ، فتمر مر السحاب ، فتكون سرابا ، وترتج الأرض بأهلها رجا ، فتكون كالسفينة تضربها الأمواج ، وتقلبها الرياح ، وهو قوله : يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ « 3 » الآية ، فتميد الأرض بالناس على ظهرها فتذهل المراضع ، وتضع الحوامل ، وتشيب الولدان ، وتطير الشياطين ، هاربة من الفزع ، حتى تأتى الأقطار هاربة ، فتلقاها الملائكة تضرب وجهها وأدبارها ، فترجع ، ويولى الناس مدبرين ، ينادى بعضهم بعضا ، وهو قوله : يَوْمَ التَّنادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ . . الآية « 4 » فبينما هم كذلك ؛ إذ تصدعت الأرض ، من قطر إلى قطر ، فرأوا أمرا عظيما ، لم يروا مثله . ثم قال : قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « والأموات يومئذ لا يعلمون بشئ من ذلك » . قال أبو هريرة : قلت : يا رسول اللّه فمن استثنى اللّه من الفزع ؟ قال : « أولئك الشهداء » .

--> ( 1 ) من الآية 103 من سورة الأنبياء . ( 2 ) قرأ حفص ، وحمزة ، وخلف : « أتوه » بقصر الهمزة ، وفتح التاء ، فعلا ماضيا ، وقرأ الباقون بالمد وضم التاء « آتوه » اسم فاعل ، مضافا للضمير . . انظر الإتحاف ( 2 / 335 ) . ( 3 ) الآية السادسة من سورة النازعات . ( 4 ) من الآية 33 من سورة غافر .